ابن عطية الأندلسي
465
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الخبر الذي هو لَتُؤْمِنُنَّ فهو قوله تعالى : بِهِ فالهاء من بِهِ عائدة على « ما » ولا يجوز أن تعود على رَسُولٌ فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر ، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء « لما » بفتح اللام ، هو أن تكون « ما » للجزاء شرطا ، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و جاءَكُمْ معطوف في موضع جزم ، واللام الداخلة على « ما » ليست المتلقية للقسم ، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم ، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ الأحزاب : 60 ] لأنها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله ، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله : لَتُؤْمِنُنَّ وهذه اللام الداخلة على « أن » لا يعتمد القسم عليها ، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة ، كما قال تعالى : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ المائدة : 73 ] . قال الزجاج : لأن قولك ، واللّه لئن جنتني لأكرمنك ، إنما حلف على فعلك ، لأن الشرط معلق به ، فلذلك دخلت اللام على الشرط ، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد . والضمير في قوله تعالى : لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ عائد على رَسُولٌ ، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام ، وأما الضمير في قوله وَلَتَنْصُرُنَّهُ فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول ، قال أبو علي في الإغفال : وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله لَتُؤْمِنُنَّ عليه ، قال سيبويه : سألته ، يعني الخليل عن قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ فقال : « ما » هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن ، حين قلت : لئن فعلت لأفعلن ، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي : أراد الخليل بقوله : هي بمنزلة الذي ، أنها اسم كما أن الذي اسم ولم يرد أنها موصولة كالذي ، وإنما فرّ من أن تكون « ما » حرفا كما جاءت حرفا في قوله تعالى : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [ هود : 111 ] وفي قوله وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 35 ] ، واللّه المستعان ، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل : أن خبر الابتداء فيمن جعل « ما » ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله : مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه ، والخليل ، وإنما الخبر في قوله ، لَتُؤْمِنُنَّ كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره ، وقرأ الحسن : « لمّا آتيناكم » بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق : أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق ، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء ، كما تقول لما جئتني أكرمتك . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ويظهر أن « لما » هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال ، رؤساء الناس وأماثلهم ، أخذ عليكم الميثاق ، إذ على القادة يؤخذ ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة ، وذهب ابن جني في « لما » في هذه الآية إلى أن أصلها « لمن ما » ، وزيدت « من » في الواجب على مذهب الأخفش ، ثم أدغمت ، كما يجب في مثل هذا ، فجاء لهما ، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي « لما » ، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر « لما » بفتح الميم مخففة ، وقد تقدم ، وقرأ نافع وحده ، « آتيناكم » بالنون ، وقرأ الباقون ، « آتيناكم » بالتاء ، و رَسُولٌ في هذه الآية اسم جنس ، وقال كثير من المفسرين : الإشارة بذلك إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي مصحف ابن مسعود : « مصدقا » بالنصب على الحال .